الحفاظ على فنٍّ دقيق من مكناس إلى العالم
هشام السعيدي هو حرفي من الجيل الرابع في فن الدمشقة، وهو فن دقيق يقوم على تطعيم الفولاذ بخيوط رفيعة من الفضة أو الذهب أو النحاس. وقد كرّس مسيرته للحفاظ على هذه الحرفة المهددة بالاندثار والتعريف بها داخل المغرب وخارجه. ومن خلال أعماله ومعارضه وتعليمه، يساهم في نقل هذا الفن إلى أجيال جديدة وجمهور عالمي، في وقت لم يعد يمارس فيه فن الدمشقة في مكناس سوى عدد محدود من الحرفيين المتخصصين.
تراث تشكّل عبر الأندلس
يرتبط فن الدمشقة في المغرب ارتباطاً عميقاً بإرث الأندلس. فمنذ القرن الرابع عشر، انتقل حرفيون مسلمون ويهود فرّوا من التوسع المسيحي في شبه الجزيرة الإيبيرية إلى عدد من المدن المغربية، من بينها مكناس، حاملين معهم معارفهم وتقنياتهم في العمل على المعادن. وهناك ترسخت هذه الحرفة وتطورت مع مرور الزمن. وفي أواخر القرن التاسع عشر، احتضنت مكناس مدرسة متخصصة في هذا الفن داخل متحف دار الجامعي، حيث تم إنتاج قطع حرفية لا تزال تحظى بالتقدير إلى اليوم.
وتُعد عائلة السعيدي امتداداً حياً لهذا الإرث. وعلى مدى أجيال، تميز أفرادها في صناعة القطع الدمشقية، وحصلوا على جوائز في معارض وطنية ودولية، في شهادة على مهارتهم التقنية وتميزهم الفني.
الحرفة: الدقة والصبر والاعتزاز
قد يبدو وصف فن الدمشقة بسيطاً، لكن تنفيذه يتطلب مستوى استثنائياً من الدقة والصبر. يبدأ الحرفي بنقش أخاديد دقيقة على سطح من الفولاذ الداكن أو البرونز المعالج، ثم يثبت داخلها خيوطاً رفيعة من المعادن النفيسة بواسطة الطرق، لتشكيل زخارف خطية ونباتية وهندسية. وقد يصل طول الخيوط المستخدمة في قطعة واحدة إلى مئات الأمتار.والنتيجة هي الدمشقة، وهي زخارف لامعة تصبح جزءاً ثابتاً من سطح المعدن، وتمنح القطعة طابعاً فنياً مميزاً.
يتخصص هشام السعيدي في هذه العملية الدقيقة، حيث يطعم الفضة داخل الفولاذ، ويلخص جوهر حرفته في ثلاث كلمات: الدقة، الصبر، والاعتزاز.بدأ مسيرته المهنية سنة 1990، وشرع في تعليم هذا الفن سنة 2000، منتقلاً من ممارسة الحرفة إلى المساهمة في حمايتها ونقلها إلى الأجيال القادمة.
حرفة هشة تحت أنظار العالم
تُعد مكناس اليوم من بين آخر الأماكن التي لا يزال فيها فن الدمشقة يُمارس كحرفة حية، إذ لم يتبقَّ في المدينة سوى عدد محدود من كبار الحرفيين المتخصصين في هذا المجال.وقد ظل ورش عائلة السعيدي قائماً لنحو 80 عاماً في قبة السوق، الحي التاريخي للحرفيين في مكناس، حيث لا يزال هذا الفن يحافظ على حضوره وإرثه.
ويعكس الاعتراف الدولي"UNESCO" بقيمة تقنيات النقش على المعادن، بما فيها فن الدمشقة، الأهمية الثقافية لهذه الحرف وفي الوقت نفسه هشاشتها. ففي عام 2023، أُدرجت فنون النقش على المعادن ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لليونسكو، بهدف المساهمة في حماية سلاسل نقل هذه المعارف، خصوصاً مع تقدم الحرفيين الكبار في السن ومنافسة المنتجات المصنّعة على الأعمال اليدوية التقليدية.كما أطلق المغرب، بشراكة مع اليونسكو، برامج تهدف إلى دعم تكوين المتدربين في الحرف التقليدية المهددة بالاندثار. وتسلط دورة 2026 الضوء بشكل خاص على فن الدمشقة المعدنية في مكناس.
التعليم والمعارض ونقل الحرفة إلى المستقبل
يواصل هشام السعيدي اليوم تعليم فن الدمشقة في مدرسة الفنون التقليدية بمكناس، ضمن برامج التكوين في الحرف التقليدية التي تدعمها الجهات المغربية المختصة. ويتمثل هدفه في ضمان استمرار هذه الحرفة اليوم وفي المستقبل، من خلال نقل تقنياتها ومعارفها قبل أن تختفي.
وفي الوقت نفسه، أصبح هشام سفيراً لهذا الفن على الساحة الدولية. فقد عُرضت أعماله في عدد من الدول في أوروبا وكندا والبرازيل وإفريقيا، مما ساهم في تعريف جمهور دولي بتقليد حرفي لا يزال غير معروف لدى كثيرين خارج المغرب.ومن خلال المعارض والعروض الحية، يقدم هشام فن الدمشقة ليس فقط باعتباره إرثاً من الماضي، بل كفن معاصر لا يزال يحمل قيمة وجمالاً ومعنى حتى اليوم.
لماذا يهم هذا الإرث؟
تجسد مسيرة هشام السعيدي، من ورشة عائلية في مكناس إلى قاعات العرض الدولية، أهمية الحفاظ على التراث الثقافي غير المادي.فهو لا يصنع قطعاً فنية فحسب، بل يساهم في الحفاظ على سلسلة متواصلة من المعرفة والمهارة، تمتد من إرث الأندلس إلى المتدربين اليوم، ومن الأسواق التقليدية في مكناس إلى الجمهور في مختلف أنحاء العالم.وفي عالم يمكن أن تختفي فيه حرفة كاملة خلال جيل واحد، تمثل جهود الحرفيين الذين يواصلون تعليم هذه التقنيات وممارستها إحدى الطرق الأساسية لضمان استمرار فن الدمشقة وبقائه حياً للأجيال القادمة.